في صباح الأربعاء، تلقت الأوساط الثقافية المصرية والعربية خبراً أعاد إلى الأذهان أسماء روائية صنعت ملامح الأدب العربي الحديث: رحيل الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم عن عمر ناهز 88 عاماً. رجلٌ لم يكن مجرد صاحب روايات، بل كان شاهداً على زمنٍ بأكمله، مسكوناً بأسئلة الحرية والعدالة، ومنحازاً دوماً لصوت الإنسان البسيط.
البدايات… من بيت الحكايات إلى دهاليز السياسة
وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، في بيتٍ كان الحكي فيه عادة يومية، إذ امتلك والده مكتبة عامرة بأحدث الإصدارات العالمية، وكان «حكّاءً بارعاً» يغذي خيال ابنه بالقصص. هذه النشأة المفعمة بالكتب مهّدت الطريق لشابٍ اختار القلم قبل أي شيء آخر.
رغم حصوله على شهادة الحقوق، لم يجد نفسه في قاعات المحاكم، بل في ميادين الصحافة والعمل السياسي، منتمياً إلى التيار اليساري، وساعياً لتوثيق قضايا الوطن بالكلمة والصورة.
رحلة بين العواصم… الصحافة والسينما والأدب
بدأ مسيرته المهنية في وكالة أنباء الشرق الأوسط، قبل أن ينتقل إلى برلين الشرقية للعمل في وكالة «أدن» الألمانية، ومنها إلى موسكو بمنحة لدراسة التصوير السينمائي. لكن كل تلك الرحلات لم تُبعده عن شغفه الأول: الكتابة.
في عام 1974 عاد إلى مصر، واتخذ قراراً حاسماً بالتفرغ للأدب والترجمة، لينتج أعمالاً صارت علامات فارقة في المكتبة العربية.
أعماله… مرايا للواقع بلا تجميل
قدّم صنع الله إبراهيم روايات جريئة وصادمة أحياناً، لم تتردد في مساءلة الواقع وكشف تناقضاته. من أبرز مؤلفاته:
- تلك الرائحة (1966)
- 67
- نجمة أغسطس
- اللجنة
- أمريكانلي
- برلين 69
- بيروت بيروت
- شرف
- ذات
بعض هذه الأعمال تحوّل إلى مسلسلات وأفلام، مؤكداً قدرة نصوصه على العبور من الورق إلى الشاشة.
الجوائز… والتزام الموقف قبل التكريم
نال الكاتب جائزة سلطان العويس الثقافية، وجائزة ابن رشد للفكر الحر، وجائزة كفافيس للأدب عام 2017. لكن موقفه عام 2003 حين رفض تسلم «جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي» احتجاجاً على ممارسات الحكومة آنذاك، رسّخ صورته ككاتب مبدئي لا يساوم على قناعاته، حتى لو كان الثمن تكريماً أدبياً كبيراً.
إرثه… كلمات لا تموت
برحيله، يخسر الأدب العربي صوتاً مختلفاً، لكنه يترك خلفه إرثاً سيظل يُقرأ ويُناقش لعقود. صنع الله إبراهيم لم يكن مجرد راوٍ للأحداث، بل كان شاهداً على التاريخ، مسجلاً تفاصيله بحبرٍ من الحقيقة والموقف.

