أسدل القضاء العراقي الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الأسابيع الماضية، بعد أن أعلن رسميًا أن وفاة الطبيبة العراقية بان زياد طارق ناجمة عن الانتحار، نافيًا وجود أي شبهة جنائية. وقد جاء القرار بعد سلسلة من التحقيقات المطولة التي شملت تقارير الطب العدلي وفحص الأدلة الجنائية، لتنتهي إلى إغلاق الملف قضائيًا، رغم أن الشارع العراقي لا يزال منقسمًا إزاء ما إذا كانت الطبيبة قد أنهت حياتها بقرار شخصي أم أنها ضحية لجريمة مدبرة.
قضية الدكتورة بان زياد طارق
القضية بدأت حين عُثر على جثة الطبيبة الشابة في منزلها بمدينة البصرة مطلع أغسطس الجاري، لتظهر سريعًا رواية العائلة بأنها أقدمت على الانتحار نتيجة ضغوط نفسية. غير أن تقارير أولية أثارت الشكوك بعد أن أشارت إلى وجود كدمات على جسدها وجروح عميقة في يديها، إضافة إلى آثار حول الرقبة،
ولعل ذلك دفع كثيرين إلى المطالبة بفتح تحقيق شامل في ظروف الوفاة. وزاد من حدة الجدل تسريب وثائق رسمية تُظهر تعطيلًا متعمدًا لكاميرات المراقبة في وقت الحادث، فضلاً عن قيام العائلة بتنظيف موقع الوفاة قبل اكتمال المعاينة، الأمر الذي اعتبره الشارع مؤشرًا على محاولة إخفاء أدلة.
ورغم هذه الملابسات، جاء تقرير الطب العدلي النهائي ليؤكد أن الوفاة حدثت نتيجة الانتحار، مستندًا إلى رسالة مكتوبة بخط يد الطبيبة عُثر عليها في موقع الحادث، وإلى غياب أي دلائل علمية على وقوع عملية خنق أو تسميم. وبذلك أُغلق الملف رسميًا، رغم استمرار حملات التشكيك على منصات التواصل الاجتماعي التي دفعت القضية إلى واجهة الرأي العام لأسابيع.

الدكتورة بان زياد طارق، التي وُلدت في البصرة ودرست الطب في جامعتها، كانت قد تخصصت في الطب النفسي وعُرفت بكفاءتها وحضورها المهني المميز، وشاركت في مؤتمرات علمية محلية، كما كان مستقبلها يبدو واعدًا قبل أن يختطفها الموت في عمر مبكر.
علاوة على ذلك، زملاؤها وصفوها بأنها ناجحة ومتفوقة ولا تعاني من أية اضطرابات، بل كانت تستعد لخوض اختبارات مهنية قد تتيح لها فرصة العمل خارج العراق، وهو ما عزز شكوك كثيرين بأن وفاتها لم تكن نتيجة انتحار كما أُعلن رسميًا.
تزامنت هذه القضية مع تذكير العراقيين بجريمة قتل الأستاذة الجامعية سارة العبودة قبل نحو تسعة أشهر، خصوصًا بعد تداول أن الطبيبة بان زياد كانت متابعة للحالة النفسية لقاتلها، ورفضت إصدار تقرير قد يمنع إعدامه. هذه الفرضية دفعت بعض الأصوات السياسية، مثل النائبة السابقة رحاب العبودة، إلى الربط بين الحادثتين وطرح تساؤلات عما إذا كانت هناك عمليات تصفية ممنهجة تطال شخصيات رفضت التلاعب بالعدالة.
يذكر أن القرار القضائي قد وضع نهاية رسمية للجدل، إلا أن الشارع العراقي ما زال يعيش حالة من الانقسام، بين من يرى أن المؤسسات الرسمية أغلقت الملف بدافع سياسي أو اجتماعي، ومن يعتقد أن النتيجة النهائية تمثل الحقيقة. وفي كل الأحوال، تبقى وفاة بان زياد طارق صدمة كبيرة للوسط الطبي وللمجتمع العراقي الذي تابع تفاصيلها لحظة بلحظة، ورأى فيها نموذجًا جديدًا للصراع بين الحقيقة الرسمية والأسئلة الشعبية التي لم تجد إجابات شافية حتى الآن.

