تُعتبر الوجبات الخفيفة جزءًا من الروتين اليومي للكثيرين، فهي تمنح شعورًا سريعًا بالشبع وتكسر حدة الجوع بين الوجبات الرئيسية. غير أن توقيت تناول هذه الوجبات يبدو أكثر أهمية مما يعتقد الكثيرون، حيث يحذر خبراء التغذية من أن الاعتياد على تناولها في ساعات متأخرة من الليل قد يقود إلى نتائج سلبية على الصحة، حتى لو كانت هذه الوجبات مصنفة ضمن الخيارات الصحية.
البروفيسورة سارة بيري، المتخصصة في علوم التغذية الدقيقة والتمثيل الغذائي بعد الأكل وبنية الدهون، أوضحت أن ما يقارب 30% من الأشخاص يلجؤون لتناول وجبات خفيفة بعد الساعة التاسعة مساءً، وهو سلوك ربطته الأبحاث العلمية الحديثة بمخاطر صحية متعددة. وتضيف أن الجسم يتفاعل بشكل مختلف مع الطعام عند تناوله في أوقات غير متزامنة مع ساعته البيولوجية، مما يؤدي إلى تباطؤ عملية التمثيل الغذائي وارتفاع احتمالية تراكم الدهون.
الأثر الأكثر وضوحًا لهذه العادة يظهر في تزايد السمنة المركزية، أي الدهون المتراكمة في منطقة البطن، والتي تُعتبر الأخطر صحيًا لارتباطها المباشر بمشكلات القلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول. كما تشير الدراسات إلى أن تناول الطعام ليلًا يرفع مستويات الالتهاب في الجسم، وهو ما يفاقم خطر الإصابة بأمراض مزمنة. وما يثير الدهشة أن الأمر لا يختلف كثيرًا بين من يتناولون أطعمة مصنفة كـ “صحية” مثل المكسرات أو الفواكه، ومن يختارون الوجبات الغنية بالدهون والسكريات، فالمشكلة ليست في نوعية الطعام فحسب، بل في توقيته.
ويفسر العلماء هذه الظاهرة بما يُعرف بمجال “التغذية الزمنية”، وهو علم حديث يركز على العلاقة بين توقيت تناول الطعام وساعة الجسم الداخلية. إذ تبين أن كل خلية في الجسم تعمل وفق إيقاع بيولوجي يتأثر بوقت تناول الطعام إلى جانب دورة الليل والنهار. وعندما يتناول الإنسان وجباته في توقيت يتعارض مع هذه الساعة الطبيعية، يعجز الجسم عن التعامل مع المغذيات بالكفاءة المعتادة، ما ينعكس سلبًا على الصحة العامة بمرور الوقت.
وللحد من هذه المخاطر، ينصح الخبراء بتجنب تناول الوجبات الخفيفة بعد الساعة التاسعة مساءً، ويفضل التوقف حتى قبل ذلك بساعة على الأقل، أي في حدود الثامنة مساءً. هذه الممارسة البسيطة يمكن أن تُشكل فارقًا كبيرًا في تقليل احتمالية الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول. كما يُنصح بترتيب مواعيد الوجبات الرئيسية خلال النهار بحيث تقل الحاجة إلى تناول طعام إضافي في وقت متأخر من الليل.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة الوجبات الخفيفة في مكوناتها فقط، بل في التوقيت الذي تُستهلك فيه. وقد حان الوقت لإعادة التفكير في هذه العادة اليومية، خصوصًا أن الالتزام بإيقاع الجسم الطبيعي قد يكون المفتاح للحفاظ على صحة أفضل وتجنب أمراض قد تتطور بصمت على المدى الطويل.

